الإمام أحمد بن حنبل

56

الزهد

خلقي لبطشت به بطشة جبار يغضب لغضبه السماوات والأرض والجبال والبحار فإن أمرت السماء حصبته وإن أمرت الأرض ابتلعته وإن أمرت الجبال دمرته وإن أمرت البحار غرقته ولكنه هان علي وسقط من عيني ووسعه حلمي واستغنيت بما عندي وحق لي أني أنا الغني لا غني غيري فبلغه رسالاتي وادعه إلى عبادتي وتوحيدي وإخلاص اسمي وذكره بأيامي وحذره نقمتي وبأسي وأخبره أنه لا يقوم شيء لغضبي وقل له فيما بين ذلك قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى وأخبره أني إلى العفو والمغفرة أسرع مني إلى الغضب والعقوبة ولا يرو عنك ما ألبسته من لباس الدنيا فإن ناصيته بيدي ليس يطرف ولا ينطق ولا يتنفس إلا بإذني قل له أجب ربك فإنه واسع المغفرة وإنه قد أمهلك أربعمائة سنة وفي كلها أنت مبارز لمحاربته تشبه وتمثل به وتصد عباده عن سبيله وهو يمطر عليك السماء وينبت لك الأرض لم تسقم ولم تهرم ولم تفتقر ولم تغلب ولو شاء أن يعجل ذلك لك أو يسلبكه فعل ولكنه ذو إناءة وحلم عظيم وجاهده بنفسك وأخيك وأنتما محتسبان لجهاده فإني لو شئت أن آتيه بجنود لا قبل له بها لفعلت ولكن ليعلم هذا العبد الضعيف الذي أعجبته نفسه وجموعه أن الفئة القليلة ولا قليل مني تغلب الفئة الكثيرة بإذني ولا يعجبكما زينته ولا ما متع به ولا تمدان إلى ذلك أعينكما فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين وإني لو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة يعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما فعلت ولكني أرغب بكما عن ذلك وأزويه عنكما وكذلك أفعل بأوليائي وقديما ما خرت " 1 " لهم في ذلك فإني لأذودهم عن نعيمها ورخائها كما يذود الراعي الشفيق أبله عن مراتع الهلكة وإني لأجنبهم سلوتها وعيشها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن مبارك الغرة وما ذلك لهوانهم علي ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفورا لم تكلمه الدنيا ولم يطفه الهوى واعلم أنه لم يتزين لي العباد بزينة هي أبلغ من الزهد في الدنيا فإنها زينة المتقين عليهم منها لباس يعرفون به من السكينة والخشوع سيماهم في وجوههم من أثر السجود أولئك أوليائي حقا فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك وذلل لهم قلبك ولسانك واعلم أنه من أهان لي وليا أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة وبادأني وعرض بنفسه ودعاني إليها فأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي أيظن الذي يحاربني أن يقوم لي أو يظن الذي يغازيني أن يعجزني أو يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة لا أكل نصرتهم إلى غيري قال فأقبل موسى عليه السّلام إلى فرعون في مدينة قد جعل حولها الأسد في غيضة قد غرسها فالأسد فيها مع سياسها إذا أشلتها " 2 " على أحد أكلته وللمدينة أربعة أبواب في الغيضة فاقبل موسى عليه السّلام من الطريق الأعظم الذي يراه فرعون فلما رأته الأسد صاحت صياح الثعالب فأنكر ذلك الساسة وفرقوا من فرعون وأقبل موسى حتى

--> ( 1 ) أي ما اخترت . ( 2 ) أي إذا أطلقتها .